عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
37
اللباب في علوم الكتاب
مجرى الإغراء بالقبيح ، وذلك غير جائز على اللّه تعالى « 1 » . وأجاب الأوّلون بأنّ تعريف اللّه - تعالى - كونه من المنظرين إلى يوم القيامة لا يقتضي إغراء ؛ لأنّه تعالى كان يعلم أنّه يموت على أقبح أنواع الكفر والفسق ، سواء علم وقت موته ، أو لم يعلمه ، فلم يكن ذلك الإعلام موجبا إغراءه بالقبيح ، ومثاله أنّه تعالى عرّف أنبياءه أنّهم يموتون على الطّهارة والعصمة ، ولم يكن ذلك موجبا إغراءهم بالقبيح ؛ لأجل أنه تعالى علم منهم أنّه سواء عرّفهم تلك الحالة ، أم لم يعرّفهم تلك الحالة ، فإنّهم يموتون على الطّهارة والعصمة ، فلمّا كان حالهم لا يتفاوت بسبب هذا التّعريف ، فلا جرم لم يكن ذلك التعريف إغراء بالقبيح فكذلك ههنا « 2 » . قوله : فَبِما أَغْوَيْتَنِي في هذه « الباء » وجهان : أحدهما : أنّها قسميّة وهو الظّاهر أي : بقدرتك عليّ ، ونفاذ سلطانك فيّ لأقعدنّ لهم على الطّريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنّة بأن أزيّن لهم الباطل ، وما يكسبهم المآثم . ويدلّ على أنها باء القسم قوله تعالى في سورة « ص » : فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ [ الآية : 82 ] . والثاني : أنّها سببيّة ، وبه بدأ الزّمخشريّ « 3 » قال : فَبِما أَغْوَيْتَنِي فبسبب إغوائك إيّاي ؛ لأقعدن لهم ، ثم قال : « والمعنى فبسبب وقوعي في الغيّ لأجتهدنّ في إغوائهم حتّى يفسدوا بسببي كما فسدت بسببهم » . فإن قلت : بم تعلّقت « الباء » ؛ فإنّ تعلقها ب « لأقعدنّ » يصدّ عنه لام القسم لا تقول : واللّه بزيد لأمرنّ ؟ قلت : تعلّقت بفعل القسم المحذوف تقديره : فبما أغويتني أقسم باللّه لأقعدنّ [ أي ] : فبسبب إغوائك أقسم . ويجوز أن تكون « الباء » للقسم أي : فأقسم بإغوائك لأقعدنّ . قال شهاب الدّين « 4 » : وهذان الوجهان سبقه إليهما أبو بكر بن الأنباريّ ، وذكر عبارة قريبة من هذه العبارة . وقال أبو حيان « 5 » : « وما ذكره من أنّ اللّام تصدّ عن تعلّق الباء ب « لأقعدنّ » ليس حكما مجتمعا عليه ، بل في ذلك خلاف » . قال شهاب الدّين « 6 » : أما الخلاف فنعم ، لكنّه خلاف ضعيف لا يعتد به أبو القاسم ، والشّيخ نفسه قد قال عند قوله تعالى : لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [ الأعراف : 18 ] في قراءة من كسر اللّام في « لمن » : إنّ ذلك لا يجيزه الجمهور ، وسيأتي مبينّا إن شاء اللّه تعالى .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 31 . ( 2 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 31 . ( 3 ) ينظر : الكشاف 2 / 91 . ( 4 ) ينظر : الدر المصون 3 / 241 ( 5 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 275 ( 6 ) ينظر : الدر المصون 3 / 241 .